ابن خلكان

84

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

أما واللّه ما أنا بالواني ولا الفاني ، وإنّي أنا الحية الصماء التي لا يسلم سليمها ، ولا ينام كليمها ، إنّي أنا المرء إن همزت كسرت ، وإن كويت أنضجت ، فمن شاء فليشاور ، ومن شاء فليؤامر ، مع أنهم واللّه لو عاينوا من يوم الهرير ما عاينت أو لو ولوا ما وليت لضاق عليهم المخرج ، ولتفاقم بهم « 1 » المنهج ، إذ شد علينا أبو الحسن وعن يمينه وشماله المباشرون من أهل البصائر وكرام العشائر ، فهناك واللّه شخصت الأبصار ، وارتفع الشرار ، وتقلصت الخصي إلى مواضع الكلى ، وقارعت الأمهات عن ثكلها ، وذهلت عن حملها ، واحمرت الحدق ، واغبر الأفق ، وألجم العرق ، وسال العلق ، وثار القتام ، وصبر الكرام ، وخام اللئام ، وذهب الكلام ، وأزبدت الأشداق ، وكثر العناق ، وقامت الحرب على ساق ، وحضر الفراق ، وتضاربت الرجال بأغماد سيوفها بعد فناء من نبلها وتقصّف من رماحها ، فلا يسمع يومئذ إلا التغمغم من الرجال ، والتحمحم من الخيل ، ووقع السيوف على الهام كأنّه دق غاسل بخشبته على منصبه ، ندأب ذلك يوما حتى ظعن الليل بغسقه ، وأقبل الصبح بفلقه ، ثم لم يبق من القتال إلا الهرير والزئير ، لعلمتم أنّي أحسن بلاء ، وأعظم غناء ، وأصبر على اللأواء منكم ، وإنّي وإياكم كما قال الشاعر : وأغضي على أشياء لو شئت قلتها * ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا وإن كان عودي من نضار فإنني * لأكرمه من أن أخاطر خروعا والمأثور عنه كثير . وتوفي سنة أربع ومائتين ، وقيل سنة ست ، والأول أصح ، واللّه أعلم بالصواب ، رحمه اللّه تعالى .

--> ( 1 ) ر : عليهم .